Watani - 104
ٌ لمْ تكنِ السيّدةُ عفافُ تملكُ الكثيرَ، كوخٌ وحقلٌ وبقرةٌ، وابنٌ يتيم اسمهُ ناصرٌ يعينهاعلىأعباءِ الحياةِ. كانَ ناصرٌ يحبّ كلّ أشجارِ الحقلِ، لكنّهُ أحبّ شجرةَ التّينِ أكثر، لقدْ سمعَ مرّةً جدّهُ يقولُ: هذه الشجرةُ للّهِّ، فليأكلِ الجميعُ من ثمرِها. ذاتَ يومٍ رأتْ عفافُ الحزنَ فيعينيابنها ناصر، ولمّا سألتْهُ قال: أولادُ القريةِ أكثرُ ثراءً مني، إنّهميشترونَ ما يتمنون.. حينَ ذاكقرّرتْ عفافُ أنْ تهديَ ابنها هديةً لا ينساها أبداً، وفكرتْ بهديّةٍ لا تتطلّبُ دفعَ المالِ الذيلا تملكُهُ،حتىقررتْ أن تبنيمسرحاً خشبياً اسمُهُ "مسرحُ ناصر". فرحَ ناصرٌ أشدّ الفرحِ بهديتهِ، ونامَ يومَها راضياً مسروراً. وبعدَ أيّامٍ، قدّمتْ عفافُ لابنهاعرضاً مسرحياً باستخدامِ العرائسِ، فأحبّهُ ناصرٌ وقال: سأكتبُ مسرحيّةً لنقدّمَها معاً أمامَ أطفالِ القريةِ. أُعجبَتْ عفافبالفكرةِ، فكتبَ ناصرٌ مسرحيّةَ (ناصرٌ والثّورُ العنيدُ)، وتجمّعَ فتيانُ وفتياتُ القريةِ يتفرجونَ ويتهامسون: "ما أروعكَ يا ناصر!" تحمّسناصرٌ لفكرةِ الكتابةِ، فكتبَ العديدَ منالمسرحيّاتِ بينما شجّعتْهُ أمّهُ قائلةً: هذا المسرحُ للّهِّ،سنقدّمُ فيهعروضَ العرائسِ بالمجان. كبُرَ ناصرٌ محبّاً للكتابةِ سعيداً بحياتهِ، إلىأنْ هطلَ المطرُ غزيراً ذاتَ شتاءٍ وجرىسيلٌ جرفَ الحقلَ كلَهُ، ولم يتركْ إلّّ شجرةَ التينِ، فحلّ الحزنُ فيبيتِ أمّ ناصرٍ! قالَ ناصرٌ: لا تحزنييا أمّي،سأعملُ فيسوقِ الورّاقين. عملَ ناصر فينسخِ وتأليفِ الكتبِ، ومرّتِ السنواتُ حتىصارَ ناصرٌ رجلاً، وصارَ صاحبَ أكبرِ مكتبةٍ فيالمدينةِ. وذاتَ يومٍ قالَ ناصرٌ أمامَ ابنتهِ فاطمة: هذه المكتبةُ ِ، فليقرأ فيها كلّ طالبِ علمٍ. فرحَتْ فاطمة بقرارِ أبيها، وقررتْ أنْ تتطوعَ لخدمةِ زوّارِ المكتبةِ، تعينُهمعلىاختيارِ الكتبِ والبحثِ فيها. كبرَتْ فاطمةوتزوجتْ، وظلّتْ تخدمُ العلمَ وأهلَهُ حتّىوقعتِ الحربُ، فاضطرّتْ للهجرةِ مع ابنها غياثٌ إلىبلدٍ جديدٍ، ولم تحملْ معها إلّّ كتاباً كتَبَهُ أبوها ناصرٌ،عنوانُه"فيحقلناشجرةُ تينٍ". وفيمسكنِها الجديدِ، وحينكانتْ فاطمة تتصفّحُ كتابَ أبيها، وجدتْ داخلَهُ مخطوطةً أثريّةً، ولمّاعرضتْهاعلىالمتحفِ، اشتراها بآلافِ الدّنانيرِ. بعدذلكاشترتْ فاطمةمزرعةً، وقالتْ أمامَ ابنها: هذه المزرعةُ .ِ فرحَ غياثٌ بقرارِ أمّهِ، فكّرَ وقال: سأجنيثمارَها وأبيعُها، ثمّ أقدّمُ المالَ للأطفالِ المتضرّرينمنالحربِ. كبرَ غياثٌ وصارَ رجلاً، تزوجَ ورزقهُ اللّهُّ بابنةٍ سمّاها كريمةٌ، وظلّ يعملُ فيالمزرعةِ حتّىحلّ الجفافُ ويبسَتِ الأشجارُ! ذاتَ يومٍ، وبعدَ أنْ كبرَتْ كريمة، وبينما كانغياثُ وابنتُه يحرثانِ المزرعةَ استعداداً لغرسِ غراسٍ جديدةٍ،عثرا علىكنزٍ مطمورٍ! 30
RkJQdWJsaXNoZXIy MjIwNTU=